سيد قطب

3838

في ظلال القرآن

وتصوراتنا المقيدة بمألوف حسّنا وتفكيرنا . . وأكبر ما نعهده من الانقلابات هو أن ترجف بنا الأرض في زلزال مدمر ، أو يتفجر من باطنها بركان جائح ، أو أن ينقض على الأرض شهاب صغير ، أو صاعقة . . وأشد ما عرفته البشرية من طغيان الماء كان هو الطوفان . . كما أن أشد ما رصدته من الأحداث الكونية كان هو انفجارات جزئية في الشمس على بعد مئات الملايين من الأميال . . وهذه كلها بالقياس إلى ذلك الانقلاب الشامل الهائل في يوم القيامة . . تسليات أطفال ! ! ! فإذا لم يكن بد أن نعرف شيئا عن حقيقة ما يجري للكائنات ، فليس أمامنا إلا تقريبها في عبارات مما نألف في هذه الحياة ! إن تكوير الشمس قد يعني برودتها ، وانطفاء شعلتها ، وانكماش ألسنتها الملتهبة التي تمتد من جوانبها كلها الآن إلى ألوف الأميال حولها في الفضاء . كما يتبدى هذا من المراصد في وقت الكسوف . واستحالتها من الغازية المنطلقة بتأثير الحرارة الشديدة التي تبلغ 12000 درجة ، والتي تحول جميع المواد التي تتكون منها الشمس إلى غازات منطلقة ملتهبة . . استحالتها من هذه الحالة إلى حالة تجمد كقشرة الأرض ، وتكور لا ألسنة له ولا امتداد ! قد يكون هذا ، وقد يكون غيره . . أما كيف يقع والعوامل التي تسبب وقوعه فعلم ذلك عند اللّه . وانكدار النجوم قد يكون معناه انتثارها من هذا النظام الذي يربطها ، وانطفاء شعلتها وإظلام ضوئها . . واللّه أعلم ما هي النجوم التي يصيبها هذا الحادث . وهل هي طائفة من النجوم القريبة منا . . مجموعتنا الشمسية مثلا . أو مجرتنا هذه التي تبلغ مئات الملايين من النجوم . . أم هي النجوم جميعها والتي لا يعلم عددها ومواضعها إلا اللّه . فوراء ما نرى منها بمراصدنا مجرات وفضاءات لها لا نعرف لها عددا ولا نهاية . فهناك نجوم سيصيبها الانكدار كما يقرر هذا الخبر الصادق الذي لا يعلم حقيقته إلا اللّه . . وتسيير الجبال قد يكون معناه نسفها وبسها وتذريتها في الهواء ، كما جاء في سورة أخرى : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً » . . « وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا » . . « وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً » . . فكلها تشير إلى حدث كهذا يصيب الجبال ، فيذهب بثباتها ورسوخها وتماسكها واستقرارها ، وقد يكون مبدأ ذلك الزلزال الذي يصيب الأرض ، والذي يقول عنه القرآن : « إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها . . » وكلها أحداث تقع في ذلك اليوم الطويل . . أما قوله سبحانه : « وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ » . . فالعشار هي النوق الحبالى في شهرها العاشر . وهي أجود وأثمن ما يملكه العربي . وهي في حالتها هذه تكون أغلى ما تكون عنده ، لأنها مرجوة الولد واللبن ، قريبة النفع . ففي هذا اليوم الذي تقع فيه هذه الأهوال تهمل هذه العشار وتعطل فلا تصبح لها قيمة ، ولا يهتم بشأنها أحد . . والعربي المخاطب ابتداء بهذه الآية لا يهمل هذه العشار ولا ينفض يده منها إلا في حالة يراها أشد ما يلم به !